SaidWaely.com

 

         Said Al-waely

سعيـد الوائلي

        saidwaely@yahoo.com

   

www.SaidWaely.com    الموقع الشخصي للشاعر والإعلامي العراقي سعيد الوائلي

SaidWaely.com

 التمــاس

هـا هنــــا
الزمن يتخثر....
في الركن الفسيح من الكون
الزمن يتخثر....
في الميادين الا متناهية
من عتبات الكواكب السياره
الزمن يتخثر....
في كل مكان
الزمن يتخثر.
ثم:
تتهافت المسيرات
من كل حدب وصوب
من كل الأحياء الذين ولدوا
وماتوا...
من الذين ولدوا
وما زالوا احياء...
ومن الذين سيولدون!
يحملون بأيديهم شموعا ً
تُـنفّط دمـا ً قرمزيا ً
ولافتاتٍ اقتطعوها
من صفاء زُرقة ِ
سماء العراق
كـُتب عليها:
رباه،
ألا تكفي الدماء التي اُريقت
على تراب العراق؟؟

ِ5/4/2004 ديترويت

 

 
 

 " المتنبـي والقيسي " رابعًا : ثانية في مدينة ميونخ الالمانية

د . عدنان الظاهر / المانيا

الاربعاء // 7 / 12 / 2006

 


وصل الصديقان القيسي والدكتور بهجت عباس بيتي بعد زمن قصير من وصول أبي أحمد الوائلي . نهض المتنبي مرحباً بهما منشداً بصوت جهوري :

أريدُ من زمني ذا أنْ يبلِّغني
ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ

عانق القيسي وهو ينشد شعراً له آخر :

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقّلّمُ


ثم إحتضن صديقه الآخر دكتور بهجت وهو يردد بكل الفخر :

أنا الذي بيّنَ الإله به ال
أقدارَ والمرءُ حيثما جعلَهْ

جوهرةٌ تفرحُ الشِرافُ بها
وغصّةٌ لا تسيغها السَفِلةْ

فلا مُبالٍ ولا مُداجٍ ولا
وانٍ ولا عاجزٌ ولا تَكُلةْ

أراد مواصلة قراءة أشعاره مرحباً بصديقيه العزيزين حسب طريقته الخاصة في إستقبال الضيوف لكني رجوته أن يتركهما كي يستريحا بعد أن قطعا آلاف الكيلومترات والكثير من البحار والمحيطات حتى وصلا مدينة ميونخ . جلس بين الضيفين غير مصدِّق ما قد حدث . فتساءل من الجميع ببراءة البدوي : وهل حقاً أتيتم من كندا وأمريكا البعيدة ؟ لا أصدق ما أرى ، إنه خيال ، محض خيال . ظلَّ الوائلي صامتاً ينتظر اللحظة المناسبة ليفتح مع المتنبي أكثر من حديث . سألت ضيوفي هل تفضلون تناول العشاء في البيت أم في أحد المطاعم الفاخرة ؟ إنقسم الضيوف الأربعة إلى فريقين ، فنصف يحبذ المكوث في البيت ، أما النصف الآخر فلقد فضلَّ تناول العشاء في مطعم جيد . أراد المتنبي والقيسي البقاء في البيت لأخذ الحرية في الأحاديث المتشعبة التي تفوق الحصر كماً ونوعاً . بينما فضّل بهجت والوائلي الخروج من البيت لا لتناول الطعام حسبُ ، إنما للتعرف على المدينة مساءً . كفّة مَن سترجح، كفة الراغبين في الحديث أم كفّة الراغبين في التعرف على المدينة وأجوائها الليلية الخلاّبة ؟ كفّة الدين أم كفّة الدنيا ؟ أين سأجد نفسي ما بين هذين الفريقين ؟ لمن سأميل وكيف سأنحاز ؟ ورطة.... ورطة حقيقية . إتجهت وجوه الجميع صوبي منتظرين حسم القرار وقول الكلمة الفصل .
كان الموقف محرجاً . ثم تجرّأتُ أن أقول : يا جماعة الخير ، وجدتها بالمساومة والمحاصصة . وجدت الفكرة : نتناول الطعام في البيت . نرتاح قليلاً ونشرب ما نشاء من مشروبات كحولية أو غير كحولية ، باردة أو ساخنة ثم نخرج للتجول في المدينة . سنتكلم في البيت على مائدة الطعام ، كما سنستأنف الكلام بعد العشاء . هذه إرادة النصف من الضيوف . بعد ذلك ننفذ جميعاً إرادة النصف الثاني . ما رأيكم ؟ موافقون ... قال الجميع .

أكل القيسي القليل من الطعام كما كان دأبه في الحياة دائماً . كان شديد الشوق أن يسمع من أصدقائه الأربعة ما يود أن يسمع من أخبار خاصة وعامة ، فضلاُ عما في ذاكرتهم وكتبهم من شعر وترجمات وإبداعات منوّعة . كان في جيبه بضعة وريقات تحمل بعض أشعاره التي نظمها قبل أشهر في كندا . جاء كالفارس الذي يتحدى أو يقبل تحدي فرسان الشعر والأدب كالمتنبي الكوفي وبهجت عباس الكاظمي والوائلي النجفي . كنتُ في الحقيقة أنا من إقترح عليه أن يعدَّ نفسه لمنازلة شعرية أدبية وأن يخوض غمارها بشجاعة الواثق فإما النصر المؤزّر أو الهزيمة المشرِّفة .
ما كانت في نية الرجل أن يتحدى هؤلاء الفحول ببيت شعر المتنبي الأكثر شهرة :

أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي مَنْ به صَمَمُ


لكنه جاء مع تصميم واحد : أن يهزم غريمه عالم الكيمياء الحياتية فإنه له ندٌ في الدراسة والتخصص والمهنة . كلاهما أتم دراسته في كلية الصيدلة أو الصيدلة والكيمياء كما كانت تُسمى في بدء إنشائها أواخر أربعينيات القرن الماضي . كلاهما تخصص بالكيمياء . كلاهما مارس التعليم الجامعي في الجامعات العراقية . غير أنَّ القيسي زاد فتميز عن الكاظمي بتوليه مسؤوليات إدارية رفيعة ، عميداً ثم مستشاراً وخبيراً في العديد من اللجان خطيرة الشأن . [[ عيبه ]] الوحيد إنه لم يترجم الأشعار من اللغات الأخرى إلى العربية كما فعل وما زال يفعل دكتور بهجت .... صاحب الترجمات الرائعة من الإنجليزية والألمانية إلى العربية (( أمامي الآن كتابان من ترجماته عن الألمانية لمشاهير الشعراء الألمان )) .... فضلاً عما يكتب من أشعار خاصة به آخرها ما نشر في موقع " الهدف الثقافي " من رباعيات باذخة {{ أرستقراطية }} ولا رباعيات عمر الخيّام . بل زاد فنشر ترجماتها معها إلى اللغة الألمانية . أي موهبة في رأس وقلب وروح هذا الرجل ؟! ربي زدْ من أمثاله . إنه نار في الجسد ونور في العقل والعينين . ثم إنَّ " نيرانٌ " تحصيل حاصل الجميع والكل في الكل .... ( نيران هو إسم ولده أو كريمته ) .... لا فرقَ .... فالنار تزيل وتحرق الفروقات إذ تلتحم الروح بالجسد . عبدَ المجوسُ النار التي سرقها
( بروميثيوس ) من آلهة الأغريق وقدّمها لبني البشر ضوءاً يهتدون به في ظلام لياليهم وحرارة تقيهم شرور قرِّ وبرد الشتاء وناراً لطهو أطعمتهم . كان الرجل منحازاً للإنسان ضد ( زيوس ) ، كبير الأرباب والألهة . لكنَّ الهنود يطّهرون موتاهم بها ... يحررون أرواح الموتى من عفونة ونّتَن الجسد كما يزعمون .
أما زلتُ مع أبي نبيل القيسي أم ، تُرى ، جرفني التيار نحو ضفافٍ أُخرَ قريبات ؟؟ هل كنتُ أقرأ وأتابع ما يدور في رأس القيسي الزاهد في طعامي والمتحفز للنزال القادم الذي خططتُ له مسبقاً ؟ إذاً فلأدعه يتأهب ويُعد نفسه إعداداً جيداً لساحة المعركة . كان غارقاً في لجج أفكاره ومشاريعه في حين إنصرف باقي الضيوف للتنكيت والضحك العالي وتبادل الأحاديث والذكريات ولا سيّما ذكريات معسكر أو مخيم
( رفحاء ) السعودي الذي جمع المتنبي والوائلي بعد إنتفاضة شعبان عام 1991 . تحوّل مُرُّ الذكريات في تلكم الساعة إلى ما يشبه طعم العسل ... أفضل العسول ... عسل ملكات النحل الخالي من سكّر الكلوكوز المُضاف.
تفاصيل كثيرة كان الوائلي والمتنبي يتباريان في سردها والتعليق عليها المبكي منها والمضحك.... سواء بسواء . ظل دكتور بهجت صامتاً محايداً يصغي لقصص مخيم رفحاء الذي حالفه الحظ فلم يُسعَد بالمشاركة فيه إذ كان قد غادر ( دار السلام ) بغداد في عام 1982 . كان شديد الإنتقاء لنوعية طعامه .... حذراً مفكّراً قبل أن يمدد يده أو ملعقته أو شوكته أو سكينه . لا من غرابة في ذلك ، إنه العالم المختص بالكيمياء الحيوية أو الحياتية . ثم .... إنه ، كالمتنبي ، يعاني من ظاهرة نقص كمية الإنسولين الجاري في عروق دمه . أخبرني ذات مرة إنه لا يتناول الأدوية الحارقة لسكر الدم أو تلك التي تحفّز غدة البنكرياس على إفراز الإنسولين . قال إنه يمارس التمارين الرياضية بدل تناول الحبوب وباقي العقاقير الطبية . أتساءل ما دام الرجل حاضراً ضيفاً لديَّ في داري : حتام سيبقى البهيج المكابر والمعاند بهجت عباس يمارس التمارين الرياضية مستنكفاً من تناول العقاقير الطبية لمواجهة مرض السكّري ؟؟ حتام ستبقى عضلات جسده قادرةً على مزاولة الرياضة تقلّصاً وإنبساطاً ؟ كذلك الحال مع عضلات القلب . عضلات جسد الإنسان تضعف بمرور الزمن .
يا للغرابة ... ما أن ذكرتُ العسل وملكات النحل الجميلات (( وكل واحدة فيهن عشتار السومرية / البابلية .... آلهة الخصب والجنس والتناسل )) حتى ألقى المتنبي بشوكة طعامه ونحّى الملعقة والسكين عن صحونه ممعناً النظر الحاد فيَّ وفي القيسي . بعد صمت ثقيل متوتر رفع صوته قليلاً مخاطباً القيسي : هل حملتَ لنا معك شيئاً من لذيذ شبابيك ما تصنع من ( الزلابية ) النادرة المثال ؟ نعم ، بكل تأكيد ، كيف أنسى أن ألبّي بعض حاجات ورغائب سيد الشعر والشعراء أبي الطيّب المتنبي ، كيف ؟ أجاب القيسي بكل هدوء ، ثم مدَّ يده إلى حقيبته فأخرج منها صندوقاً معدنياً مملوءاً بالحلوى التي لم يرَ المتنبي مثيلاً لها في عموم حياته .... لا في الكوفة أو النجف ، لا في بلاد الشام ولا حتى في مصر وبلاد فارس .
ترك مائدة الطعام وإنتحى جانباً محتضناً صندوق الحلوى كأي طفل من أطفال الكوفة والنجف . هنا تدخل صديقه ورفيق سِفر عذابه النجفي أبو أحمد فعلق مداعباً : على مهلك أبا الطيّب .... لا تنسَ أنك تعاني من السكّري مثل حبيبنا بهجت عباس . إتخذ منه قدوة وأنظر كيف يتجنب الرجل تناول الأطعمة الحلوة المذاق وخاصة ما كان فيها السكر العادي المألوف . أغرق المتنبي رأسه في صندوق الحلوى التي جاءته طائرةً من مدينة ( هاملتون ) الكندية ساخنةً كأنها غادرت الفرن قبل لحظات . غاب مع ( زلابية ) أبي نبيل فلم يستمع إلى نصيحة صديقه ولم يعرها أصلاً أي إهتمام . كان في عالم آخر . حين أفرغ محتويات الصندوق في جوفه تجشأ بقوة عدة مراتٍ وهو يردد (( عوافي أبو الطيب )) ... لا خيرَ في الدنيا بدون زلابية وبقلاوة . ليكن بعد ذلك ما يكن . ليكن طُوفان نوح . اليومَ خمرٌ وغداً أمرُ . [[ منو أبو باجر ]] ؟؟ تعددت الأسباب والموت واحدُ . دعوته أن يجلس بجنبي لكنه إقترب مني وفضّل أن يبقى واقفاً . قال خيراً ؟؟ يا أبا الطيب المتنبي ...كلْ ما شئتَ ولكن دونما إفراط . كلْ ثم مارس التمارين الرياضية كما هو ديدن صديقنا بهجت . قال محتجاً إن بهجت
( أفندي ) كيميائي يمارس التمارين السويدية صباح كل يوم . أنا ، واصل الكلام ، لا أفقه شيئاً من أمر التمارين السويدية . كنتُ أمارس الفروسية على ظهور خِيْرة جياد العرب ، ثم الطراد والصيد والقنص ... كنتُ أيام زمان .... زمان الفتوّة والقوّة والشباب . اليوم لا صيد ولا قنص ولا هم يحزنون . ثم إن القليل المتبقي من عمري لا يستحق أن أقضيه في حرمان الجسد من طيبات ما رزقنا الله وحرمان النفس مما تهوى من المحرّم والحلال . بصراحة .... ليس فيَّ طاقة أو مقدرة على مقاومة مغريات الحياة . لماذ أقاومها وقد خُلقنا لها وخُلقت هي لنا ؟! أرى في ذلك معصية لأوامر ربنا الكثيرة التوارد في القرآن تحض الإنسان على الأكل والشرب دونما تحفظات من قبيل [[ كلوا من طيبات ما رزقناكم ... ]] . تفحّص القرآن جيداً ستجد مصداق قولي . إضطرني منطق المتنبي هذا إلى التدخل فقلت له : يا طيب ويا أبا الطيّب ويا إبن الأطايب الطيّبين ... لم يكن مرض السكّري معروفاً في ذلكم الزمان ، ولا السرطان أو الأيدز على سبيل المثال ... وإلا لكان القرآن قد حذر وأنذر من عواقبه ووضع الشروط والتحفظات على تناول السكريات الطبيعية والحلويات التي يصنعها البشر . أفلم يحض القرآن المسلمين أن يتجنبوا إتيان أزواجهم وهن في دورة الطمث (( ويسألونك عن المحيض قلْ هو أذى فإعتزلوا النساءَ في المحيض ولا تقربوهنَّ حتّى يطهُرنَ فإذا تطهّرنَ فأتوهنَّ من حيثُ أمركم اللهُ إنَّ اللهَ يحبُ التوابينَ ويُحبُ المتطهرين / سورة البقرة / الآية 222 )) . هزَّ المتنبي رأسه موافقاً ومستسلماً للحجة لكنه ظلَّ صلب الرأس مصراً على تماديه في الإساءة إلى صحته وإهمال نصائح أصدقائه وأطبائه . قال مكابراً : لا أبحث عن عشبة جلجامش إبتغاءَ الخلود ولا أقربُ شجرة الخُلد التي ورد ذكرها في القرآن الكريم . ثم أخذ يردد بتحدٍ كمن أخذته العزةُ بالإثم (( كل مَن عليها فانٍ )) . أو
(( إلى جهنمَ وبئسَ المصير )) . أو (( خُلقَ الإنسان للموت والفناء و ليس للخلود )) . ثم تساءل (( من نهض من قبره بعد موته )) ؟؟!!
هذا هو المتنبي وهكذا كما أحسبُ كان .... وسيبقى كما كان .

هل نتمشى وقد فرغنا من طعامنا أو نفتتح المباراة الشعرية ؟ سألتُ صحابي فإنقسموا ثانيةً إلى فريق يحبذ البقاء وفريق يفضل الخروج إلى المدينة . وكما هو الحال في كل مرة ، توجهوا لي ينتظرون مني الجواب .
كان رأيي الذي وافق الجميع عليه أنْ لا بدَّ من التمشي للتعرف على المدينة ثم لتصريف طاقات السعرات الحرارية التي راكمنا في أجسادنا دون حساب لعددها ومقدار نفعها وأضرارها على العيون والقلب والأكباد ثم الأقدام وخاصةً مَن كان فينا يعاني من العلة التي ما زالت مستعصيةً على الطب . نهضنا جميعاً على أن نتهيأ للمطارحات الشعرية والمباريات بعد فترة التمشي أو أن نُرجئها حتى يوم غد . قال القيسي هذا المقترح أفضل .... نتمشى ونرى المدينة ثم نتبارز غداً بعد الفطور مباشرةً . وافقه الباقون على مضض .

جاء صباح اليوم التالي المُنتظر فكان الفريقان على أُهبة الإستعداد للمنازلة الشعرية . كانوا أقوياء الأجساد والمعنويات بعد فطور جيد وأقداح قهوة وشاي كثيرة لا نهاية لها . خسر القيسي رهانه وعزمه على مقارعة دكتور بهجت ، فلقد رسا قرار المتنبي على منازلة هذا الشاعر المتعدد المواهب والمقدرات . قال إنَّ القيسي ( ولا زغراً به ) لا يصلح أن يكون في الشعر غريمي ، إنما قد يصلح نداً لي الكيميائي الآخر بهجت عباس . هكذا وجد القيسي نفسه وجهاً لوجه خصماً منافساً لسعيد الوائلي . ما رأيك أبا أحمد الوائلي ؟ سألته فأجاب : أُسلٍِّم أمري لرب العباد... أقبل منازلة صديقي الشديد التواضع القيسي يحدوني أمل قوي في أن نخرج من النزال متعادلين ... إذاما أنصف المتنبي وعدل في الحكم بيننا . ما رأيك يا قيسي ؟ قال إني بصراحة لا أثق بتحكيم المتنبي فيما بيني وبين الوائلي . لماذا يا أبا نبيل ؟ إنه سينحاز دون ريب لجانب الوائلي ... فهذا نجفي وذاك كوفي ، والكوفة تَبَعٌ للنجف ، والأصل كما تعلم تتبعه الفروع . ثم إني قيسي والمتنبي كندي يماني وأنت على علم بالخصومة التأريخية بين القيسية واليمانية . إنفجر الجميع في موجة ضحك عالية صاخبة . بعد أن هدأت عاصفة الضحك إنبرى الوائلي للقول بثقة المنتصر : ها قد بان عجزك يا أبا نبيل . تتعكز على التأريخ كيما تنقذ نفسك . تذكر خلافات القيسية واليمانية لتثير الغبار ساتراً لإنسحابك بل وهروبك من أرض المنازلة ولا أقول أرض المعركة . إبتسم أبو نبيل لمزحة أو دعابة صديقه الوائلي ثم قال : أنسحب من جولة نزالي مع أبي أحمد الوائلي لكني ربما أقرأ على مسامعكم بعض أشعاري عن بغداد ولياليها السعيدة العامرة في سالف الزمان وكيف آلت أمورها بعد سقوط الصنم هُبَل . إستحسن الجميع الفكرة ورحبوا بها وأثنوا على شجاعة أبي نبيل وإستحثوه أن يشرع بالقراءة على الفور . لكنه قال إنه يؤثر أن يستمع أولاً وأن يشهد جولة النزال الذي لا شكَّ سيكون مريراً بين الفحلين المتنبي وبهجت عباس . صفّق له الجميع فإرتفعت كؤوس الشاي عالياً تصطفق ببعضها تكريماً لموقف القيسي الشجاع وترحيباً بفكرته التي لاقت في النفوس أفضل الهوى .
تنحنح أبو الطيّب المتنبي فاركاً كيفيه بعضهما بالبعض الآخر وقد أفرغ باقي كأس شايه في جوفه دفعةً واحدة . أما الشاعر الكيميائي بهجت فلقد ظل على هدوئه المعهود إذ ليس في طبعه هَوَس وإندفاعات الشعراء وإنّ كان منهم واحداً فيهم . فالشاعر [[ النقي الخالص للشعر ]] غير الشاعر الكيميائي . ذاك خالص نقي وهذا خليط هجين . ذاك واحدٌ موّحدٌ أوحدٌ وهذا منشقٌّ على نفسه إثنين مشتركين . فلمن ، تُرى ، ستكون الغلبة ... للوحدانية أم للشراكة ؟
المصائب... تظل المصائب تلاحقني أينما كنتُ في حياتي . طلب الخصوم مني أن أكون الحكم في جولات النزال . إهتز جسد الوائلي بالضحك العالي رافعاً يديه وقدميه في فضاء الغرفة / ساحة وميدان النزال ثم قال مشيراً بسبابته إليَّ : فيك الخصامُ وأنتَ الخصمُ والحَكَمُ . كلا يا أبا أحمد ، سأكون كما تعهدني نزيهاً في أحكامي وحكومتي ... فأنا من مدينة حلّة حمورابي ، رجل العدالة والقوانين والشرائع الأول ، والحلة تقع وسطاً بين كوفة المتنبي وكاظمية بهجت . قال مازحاً ستنحاز لجانب زميلك في المهنة والتخصص . إعترضت على مُزحته برفق ونفيتها قائلاً لكني قضيّت العمر مع المتنبي قارئاً لشعره وُمعجباً بأكثره ثم مدافعاً عنه بالحق في كل ما كتبتُ عنه من دراسات ومقالات وما أجريتُ معه من حوارات نشرتها على نطاق واسع في الصحف والمجلات والكتب والكثير من مواقع الإنترنت كما يعلم جنابكم . قال بكل جد : أي وأيم الحق ، أنا الشاهد الحي على ما تقول ، ولقد طالما نشرتُ ما أرسلتَ لي من دراسات وتعليقات تخص المتنبي في موقع {{ الهدف الثقافي }} الذي أتشرّف بإدارته .
من سيبدأ الجولة الأولى ؟ قال القيسي بإعتباره الأكبر سناً بين الحضور .

تحفزَّ المتنبي فيما تردد بهجت عبّاس وإنكمش على نفسه متهيّباً التجربة التي سيمارسها لأول مرة في حياته . لا مُناص من خوض المعركة ولا مفرَّ منها يا بهجت . دعوناك فلبيّت دعوتنا وأنت تعرف أنَّ أمامك جولة مطاردة شعرية وكرٍّ وفرٍّ في ميدان أُعدَّ خصيصاً لهذه المناسبة . إستجمع عالم الكيمياء قوتيه الجسدية والروحية فعاد إليه هدوءُهُ وإستعاد أغلب ثقته بنفسه وبما سينشدنا من أشعار . يبدو أنه قد قبل أن يكونَ أول بادئ .

عدّل من جلسته ومدَّ أعلى جسده قليلاً إلى أمام ثم قال سأنشدكم الرباعيات التي نشرتها أخيراً في موقع " الهدف الثقافي " ... ما رأيكم ؟ برافو برافو .... صرخ أبو أحمد مسؤول هذا الموقع . ما أن أتم قراءة رباعياته باللغة العربية حتى طلبتُ منه أن يقرأ ترجمتها إلى اللغة الألمانية طالما أنَّ
( ( معركة القادسية الرابعة )) واقعة في بيتي على أرض ألمانية . إمتعض المتنبي من طلبي وإحتج عليه بقوة قائلاً ما لنا وللغة الجرمانية ؟ أنا لا أعرف إلاّ العربية لغةً لأشعاري وكلامي اليومي ـ لغة أبي وأمّي التي أنكرها عليَّ من يُسمى بعميد الأدب العربي . شعر الرجل بالضعف أمام خصمه المتعدد اللغات والمتعدد الثقافات والتخصصات . معه حق . غادر وطنه العراق بعد مقتله ليستقر بعيداً وحيداً على سطح كوكب المريخ. معه كل الحق . تدّخلت مقترحاً أن يواصل بهجت قراءة بعض أشعاره الأخرى ، ما نشرَ منها وما لم ينشرْ بعدُ . إستجاب فأبدع فيما قرأ .
كان المتنبي يرقبه مراقبة الحاسد المُستكثر على خصمه أن يأتي بخطير الأمور. حين أكمل طلب فترة إستراحة قبل أن يقرأ ترجماته للكثير من أشعار الشاعر الألماني ( راينر ماريا ريلكة ) وخاصةً (( سونيتات أورفيوس )) التي ظهرت قبل فترة قصيرة في كتاب جميل تمَّ طبعه في السويد .
هل تود أن تقرأ يا متنبي ؟ سأله أبو نبيل القيسي . قال بل أفضّل أن أستمع إلى ما ترجم بهجت من أشعارعن ( أورفيوس ) . وقبل ذلك أود أن أعرف مَن هو هذا الأورفيوس ولِمَ كل هذا الإهتمام به ؟ إقترحتُ أن يأخذ الوائلي زمام المبادرة بلغة العسكر [[ فلقد خدم الرجل عسكرياً في حروب صدام حسين ثمانية أعوام عِجاف ]] وأن يقصَّ على المتنبي قصة هذا الآورفيوس . قَبِل الإقتراح وشرع يقرأ مقتطفاتٍ من كتاب الدكتور بهجت الأخير مار الذِكر :

أورفيوس شخصية ميثولوجية... كان رمزاً للتحول ، فهو يغني بين الموتى حيّاً متنقلاً بين الملكوتين أو عالمي الأحياء والأموات .
.....
كان أورفيوس شاعراً وموسيقاراً كبيراً يُسحر بغنائه الحيوانات الوحشية ويحّرك به الأشجار والحجر ، ويُعتبر الممثل الرئيس للفنون والقيثارة والغناء . وعندما توفيت زوجه يوريديس أو يوريدكا بعضة أفعى ذهبَ إلى الدنيا السفلى التي كانت تحت سيطرة ( هادس ) ، ملك الأموات وأخ
( زيوس ) ليعيدها إلى الحياة مرّةً أخرى في الدنيا العليا . وقد فُتِنَ
( هادِس ) بغنائه فأحيا له زوجه ( يوريديس ) شرطَ أنْ يمشي أمامها ولا ينظر إلى الخلف حتى يصلَ سطحَ الأرض . ولكنْ حالما وصل
( أورفيوس ) وزوجه سطحَ الأرض نظر خلفه فإنزلقت الزوجة إلى باطن الأرض مرةً أخرى وإلى الأبد .
[[[ كان المتنبي مصغياً مغمض العينين ، صامتاً جامداً حتى لقد خِلته لا يتنفس . لقد أُخِذ بقصة أورفيوس على ما يبدو .... لم يسمع بها قبلاً . ما كان الرجل مُطّلِعاً على آداب وفلسفة الأغريق . إنه لا شكَّ يعرف قيامة الموتى ويوم البعث والحساب في الدنيا الأخرى أو الآخرة . يعرف أنَّ الموتى سيًبعثون ، الصالح منهم والطالح . سيواجهون ربّهم ، منهم من يحمل كتابه في يمينه ومنهم من يحمله في شماله ومصيرهم محدد إما إلى جنة الخلد أو إلى عذاب النار المستعرة التي وقودها الناس والحجارة والتي لها شهيق وزفير والتي تبحث أبداً عن المزيد ثم المزيد من أجساد الكفرة والملحدين والمشركين والذين في قلوبهم مرضٌ ... والذين رفضوا دخول حزب البعث ورفضوا السجود لصدام حسين . يسألونها : هل إمتلأتِ ؟ تقول هل من مَزيد ؟؟ يعرف المتنبي ذلك ويعرف لا ريب ما هو أكثر
منه ، فلقد حفظَ القرآن في كتاتيب الكوفة طفلاً وصبيّاً ... لكنه لا يعرف أنَّ الموتى ينهضون بوساطة قوية من لدن موسيقي وصاحب صوت جميل رخيم وبتأثير الشعر والغناء . ينهضون ليعودوا كرّةً أخرى أحياءً على سطح الكرة الأرضية وليس على أيما مكانٍ آخر ، يقفزون من أسفل الأرض إلى أعلاها . أما موتانا الصالحون فإنهم يقومون من موتهم ليواصلوا حياة أبدية أخرى لا على سطح الأرض ولكن في جنات الخلود السرمدي ، في مكان ما سابحٍ في السماوات العلى بين الكواكب والمجرات والنجوم . هنا محض خيال لا يصدقه العقل السليم !! وفي قصة أورفيوس نصف واقع ملموس ]]].

إستأنف أبو أحمد الوائلي قراءة قصة ( أورفيوس ) وواصل المتنبي غيابه أو غيبوبته عنّا في إغفاءة إصغاءٍ منقطعة النظير كما يقولون . قال
الوائلي :
أصبح ( أورفيوس حزيناً دوماً لا يُؤاسى وإعتزل كل نشاط بشري . وفي أحد الأيام صعد جبل ( بانغايون ) ليُحيي ربّه عند الفجر . وتحت شجرة هجمت عليه نساء ( مينادة ) المخلصات ل ( ديونيسوس / باخوس ) إله الخمر والطرب والمرح .... هجمن عليه بالصخور وأغصان الشجر لأنه لم يُبجِّل سيده السابق ( ديونيسوس ) وذلك بإنصرافه عن النساء ، فلم ينلن منه مأرباً.... لآنَّ الأغصان والأحجار رفضت أن تضربه لرقة غنائه ، فهو مَحصَّنٌ من كل ما هو جماد . ثم أخذن يضربنه بأيديهنَّ فمزقنه إرباً إرباً ورمين رأسه في النهر لكنه طفا وأخذ يغني والنهر يسير به حتى إستقرَّ به المُقام في جزر ( لسبوس ... جُزر يونانية واقعة في بحر إيجة ) .
إنَّ ( أورفيوس ) كما يُقال عنه أيضاً هو مؤسس طقوس الديانة الأورفيوسية .

أنهى الوائلي قراءة قصة ( أورفيوس ) فرانت فترة صمت مهيب طويلة
لم يجرؤ أحد من الحاضرين على الكلام أو حتى الململة في المقاعد . ظلَّ المتنبي الكوفي كما كان مغمض العينين شارداً ولكنْ لا أحد يدري أين أو في أي مكان من هذا العالم . كان يبدو نائماً أو كالنائم أو مسحوراً مغيّباً .
لم أُطق صبراً فاُضطررتُ أن أترك مكان جلستي وأن أدنو من الشاعر الغائب في ساعة صحو وأن أربت على خده المتورد برفق مراتٍ عدّة . شرع الرجل بالخروج رويداً رويداً من عالم غيبته التي إختارها لكيما يسرح مع ( أورفيوس ) الأغريقي وقصته التي لم يتعرف عليهاً من قبلُ .
فتح عينيه ببطء شديد وأجال الطرف في وجوه الحضور كأنه يتعرف عليهم لأول مرة في الحياة . أخذ يتفحصها ملياً كي يتأكد من حقيقة ما ومن يرى . سألته أأنتَ يا متنبي بخير .... لا بأس عليك أبا الطيب ... أين كنتَ ؟ تبسّم ببراءة وعفوية فيها الكثير من الود ثم أجاب : إني بخير يا هذا ... علام عجبك وقلقك عليَّ ؟ إنما كنتُ أُفكّر في قصة وفي شخصية
( أورفيوس ) صاحب بهجت عباس . كنتُ سارحاً معه مسحوراً بجودة وندرة طريقته في الغناء فلا ( زُرياب ) نِده أو مثيله ولا ( إسحق الموصلي ) أو ( أم كلثوم ) ولا فريد وحليم ... بل ولا حتّى ( زهور
حسين ) و ( سعدي الحلي ) . إنفجرنا في ضحك صاخب طويل شاركنا المتنبي فيه . أجدٌ ما تقول يا رجل ؟ بل كل الجد ... أنا لا أمزح في موضوع الغناء والشعر والطرب . أخذتُ زمام المبادرة آملا أن أسبب للمتنبي بعض الإحراجات فقلت له : كل هذا الإطراء والعجب بشعر وغناء رجل أعجمي لم يعرف لغتك العربية أبداً ولم يكتب بها شعراً ولم يلحن بها نَغَماً ... وأنت الذي قال مفاخراً حدَّ الإسراف والعُجْب بالنفس :

وما الدهرُ إلاّ من رواةِ قصائدي
إذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهرُ مُنشدا

فسار بهِ من لا يسيرُ مُشمِّراً
وغنّى به من لا يُغنّي مُغرِّدا

ودعْ كلَّ صوتٍ غيرَ صوتي فإنني
أنا الطائرُ المحكيُ والآخرُ الصدى


قال قد قلت . ثم ، واصلت إستجوابه فسألته ، أفلمْ تقل في قصيدة أخرى :

ما نالَ أهلُ الجاهليةِ كلُّهمْ
شعري ولا سَمِعتْ بسحريَ بابلُ

قال بلى ، قد قلتُ .
إذاً ، ما هي أسباب إعجابك وهيامك بغناء وموسيقى ( أورفيوس ) الأغريقي ؟ هل كان أفضل منك ؟ قال لم يكن أفضل مني ، لكني كنتُ شاعراً حسبُ ، لم أكن موسيقياً ولم أحسن الغناء قطُّ . لهذا الرجل / الأسطورة ثلاثة مواهب أي إنه مثلث الأضلاع والزوايا ... وما كنتُ إلاّ رجلاً بدوياً ببعد واحدٍ متساوي الساقين خالياً من الزوايا ... مسطَّحاً مستوياً لا مُضلَّعاً ولا مُجسّداً . أخرجنا المتنبي بفكاهته وهندسته الفراغية أو الهوائية من الجو المتوتر فإنبسطنا وطلب ضيوفي مشروباتٍ منوّعةً وبعض الأطعمة كل حسب مزاجه وشدة جوعه للتأهب للجولة الأخيرة في مباراة اليوم . إقترحت تأجيلها حتى صباح اليوم التالي لكن الضيوف أحبطوا مقترحي بالتصويت إجماعاً وأصرّوا على إقامتها اليوم بعد الغداء.
كان المتنبي أكثرنا سروراً وبهجةً وإنتشاءً رغم تسليمه بالخسارة أمام دكتور بهجت المتعدد المواهب واللغات . لذا طلب بعض المشروبات الكحولية إفراطاً في التعبير عن فرحته وقبوله بالنتيجة التي لم يأنف منها ولم يحاول تبريرها على الإطلاق . ما هذا الإنقلاب في رأس هذا الشاعر المكابر المشاكس الذي قال يوماً

أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي مَنْ بهِ صَمَممُ


هل في شعره معجزات عيسى إبن مريم المسيح ؟؟!! يسمعه الأعمى فيغدو بصيراً ويُقرأ على الأصم فيشفى من صممه .
سألته عن سبب هذا الإنقلاب في طبعه المعروف فقال فوراً : إنها الديمقراطية .... الديمقراطية التي ضربت العراق أخيراً فإنفجرت بقوة تفوق أقوى القنابل الذرية والهايدروجينية حتى وصلت شظاياها إليَّ أنا البعيد النائي المقيم على سطح كوكب المريخ . نعم ، إنها الديمقراطية عابرة الحدود والقارات والأجرام والأكوان .

إلتأم الجمع بعد الغداء على أمر هام : التهيؤ للجولة الأخيرة التي سيكون بطلاها القيسي والوائلي . كان القيسي على أُهبة الإستعداد ، أعدَّ للنزال نفسه وكان طوال الوقت يقرأ أشعاره بصمت مع نفسه ويعيد القراءات وأكثر من التدخين الذي تركه بُعيد مغادرته العراق . كان يعاني من بعض القلق وربما الحَرَج . إنه طارئ على الشعر ... قضّى الشطر الأكبر من العمر مع الكيمياء بحثاً وتدريساً فكيف سيواجه الشعراء المحترفين من الشباب الجُدد ؟ هل سيقول لهم إني لا أخشاكم .... فأنا من (( المحافظين الجُدُد )) .... إستدرك فخاطب نفسه قائلاً : كلاّ ... لست منهم.... بدأ المحافظون الجُدد بالتساقط واحداً إثرَ آخر.... لستُ منهم وما كنت يوماً محسوباً عليهم .
خرج القيسي من لجّة أفكاره وغادره قلقه الذي لازمه مُذ فترة ما بعد الغداء .... جاءه الفَرج من جهة أخينا أبي أحمد الوائلي . لقد فجّر أبو أحمد قنبلة هايدروجينية إذ أعلن عن إنسحابه من المواجهة مع أبي نبيل القيسي .
قال إنه يتهيب الدخول في منافسة غير متكافئة مع رجل مهيب وقور تجنب في حياته العريضة المعروف من المغامرات والمقامرات غير محسوبة النتائج . كان دقيقاً دوماً في حساباته وفي تخطيط مشاريعه وتنفيذ ما يرى من خطوات .
إنبسط أبو نبيل من قرار الوائلي فقام ليعانقه ويقدم له كلمات الشكر والعرفان بالجميل ، لقد أراحه بالفعل من عبء ثقيل . أراحه الوائلي لكنني إنبريت له خصماً ما كان في الحسبان . قلت له أنا سأقف قبّالة قامتك الشامخة فأُطاردك الشعر فما رأيك ؟ أضحكني في ردّه كما أضحك الجميع. قال شأنك أصغر بكثير من شأن الوائلي .... سأجعلك هباءً منثوراً بحيث لن تقوم لك بعد اليوم قائمة . مع ذلك لا أتنازل أمامك أبا نبيل ... سأتقبل هزيمتي كما قبلها المتنبي قبلي فضرب لي المثل الجميل . قال هات ... هات ما عندك ... لتكن أنت البادي فالبادي أظلم . قلت له سأقول بعض شعري وغير شعري وما عليك إلاّّ مجازاته في المعنى أو في البحر والقافية ... ماذا تقول ؟ قال أقبلُ ..... هيا . قلتُ

أُمّي معي قلبُها في الليل يحضنني
غيباً ، كما يحفظُ الأعمى أغانيهِ

في الليلِ في وهدة الأحلامِ يُفزعُني
طيفٌ تبطِّنهُ روحي وتُخفيهِ

فقال إرتجالاً :

أُمي على صدرها أغفو فيغمرني
عِطرُ الأمومةِ لا شئٌ يُدانيهِ

نفحُ السماءِ إذا ما منَّ بارئهُ
" حضنُ الأمومة " يُذكيهِ ويُدنيهِ

قلتُ :

دارتْ على محوري المكسورِ في صَخَبٍ
شتّى الرياحِ وفي تصخابها صممُ

كنتُ الذيإذْ تحمى فتنحطمُ
 أبتغي حاجاً أهمُّ لهُ
مثلَ المصابيحِ
يا ربّةَ البيتِ هل في أمرنا عَجَبٌ
إنْ كان في ساحنا لم يرتفعْ عَلَمُ


فأجاب على الفور :

يا ربّةَ البيتِ قد هانت مواطننا
فكيف للخلقِ أنْ ترقى بهمْ قيمُ

ثم قرأت له شعراً قديماً قاله بعض الشعراء :

مشيناها خطىً كُتِبتْ علينا
وَمَن كُتِبتْ عليه خُطىً مشاها

فقال مرتجلاً :

فهل للنفسِ أنْ تحظى بخُلدٍ
إذا ما الموتُ قد نحّى سواها

ولكنَّ السيوفَ قستْ علينا
فجاوزت الحدودَ بما علاها

فلو كانت خطانا ضربَ حظٍّ
لآمنّا بها ـ لا في سواها


نهض الوائلي فجأةً مصفِّقاً هاتفاً ودنا من القيسي يحضنه ويمطره بالقبل ويهنيه على هذا الإنجاز الرائع غير المتوقع أبداً . ثم قال له : ألم أكن محقاً وصادقاً معك ومع نفسي إذ قررت الإنسحاب من أمامك لأجنب نفسي الإحراج وثقل وطأة الفشل والخسران المبين ؟ كان القيسي مندهشاً من أقوال الوائلي ... كالذي لا يصدّق ما فيها . هل كان الوائلي صادقاً حقاً أم ، تُرى ، كان مجاملاً ؟ أشار نحوي وسأله رأيه فيما قلته أنا في ساعة السجال . إنتبه الوائلي فأحسَّ ببعض الحَرج من إندفاعته تلك في كيل المديح للقيسي فحاول مداراة الموقف بالتوجه نحوي باسطاً ذراعيه بود وحرارة وحمية فقمت أبادله القُبل منتظراً منه أن يقول كلمة مديح في أدائي .... لكنه آثر الصمت فلم يقل كلمة مجاملة مما كنتُ أتوقع . حين جلستُ جلس قربي كتفاً لكتف .... صمت لبرهة قصيرة ثم قال : لا عليك عزيزي ... لا عليك ... كان أداؤك فاخراً لكني أرى القيسي قد تفوّق عليك !! تمرّن على قول الشعر جيداً وأعدَّ نفسك إعداداً لائقاً لمنازلات قادمة . لا تهنْ ، قال ، ولا تحزنْ ... ما زالت الدنيا بخير . ثم لك أسوة بسيد شعراء العربية والعرب الذي أقرَّ بخسارته أمام بهجت وقبل الهزيمة كأي قائد عسكري شجاع يعترف بقوة خصومه ويستسلم لهم .
بقيت صامتاً محايداً في حالة الصفر لا سالباً ولا موجباً ، لا بارداً ولا ساخناً . لم أشعر أني خسرت جولتي أمام القيسي ... ولم أشعر أني إنتصرت عليه . لم يسحقني ولم أسحقه . كلانا منتصر إذاً .
وأنت يا متنبي ، ما رأيك فيما جرى أمامك من نزال ومطاردات ؟ قال أعجبتني قدرة القيسي على الإرتجال السريع كما كان الحال معي قبل مغادرتي دنياكم الفانية .
وأنت يا بهجت ، صاحب هاينة وريلكة ، ما تقول ؟ قال إني كنتُ في شغل آخر شغلني عن المبارزة الدونكيشوتية بين إثنين من الكيميائيين المتقاعدين ... كنتُ مع صديقي ( أورفيوس ) ... كنتُ أفكّر هل من وجه شبه بين قصته وقصة نزول عشتار السومرية إلى العالم السفلي بحثاً عن حبيبها تموز أو ( دوموزي ) ؟؟ قلت له إرجعْ إلى كتاب " ملحمة جلجامش " للأستاذ طه باقر . لا أعتقد أنَّ هناك وجه شبه بين القصتين أبداً. تختلف طريقة تزول عشتار إلى العالم السفلي عن طريقة وأسلوب نزول ( أورفيوس ) . هناك عشتار هي من ينزل ، وهنا أورفيوس الذي يقوم بعملية الهبوط . عشتار تنقذ حبيبها فيُطلق سراحه لقاء رهن بشري على أن يعود إلى عالم الأموات بعد نصف سنة . نصف سنة في عالم الأموات ونصف عام في عالم الأحياء . تموز يموتُ ويحيا ولكنَّ
( يوريديس ) زوج ( أورفيوس ) تموت ثم لا تعود إلى الحياة ثانيةً بسبب خطأ إرتكبه زوجها أورفيوس .... إرتكبه مرةً واحدةً فخسرها إلى الأبد ، ثم خسر حياته بعدها إذ قتلته نساء ( مينادة ) عقاباً له لإعتزاله النساء ومفارقته المرح والطرب .... ضد إرادة الحياة . وهذا ما قالته صاحبة الحانة ( سيدوري ) لجلجامش إذ رأته هائماً على وجهه وهو يبحث عن عشبة الخلود :

(( ... فأجابت صاحبةُ الحانةِ جلجامش قائلةً له : إلى أين تسعى يا جلجامش ، إنَّ الحياة التي تبغي لن تجد . حينما خلقت الآلهة العظامُ البشرَ قدّرت الموتَ على البشرية وإستأثرتْ هي بالحياة . أما أنتَ يا جلجامش فليكنْ كرشك مليئاً على الدوام وكنْ فَرِحاً مٌُبتهجاً نهارَ مساءَ ، وأقمْ الأفراحَ في كل يومٍ من أيامكَ وأرقصْ والعبْ مساءَ نهارَ واجعلْ ثيابكَ نظيفةً زاهيةً واغسلْ رأسكَ وإستحمَّ في الماءِ ودللْ الصغيرَ الذي يُمسكُ بيدكَ وأفرحْ الزوجةَ التي بين أحضانكَ وهذا هو نصيبُ البشرية )) .
[[ ملحمة جلجامش / طه باقر / الصفحة 142 / دار المدى ، دمشق ، الطبعة الخامسة 1986 ]] .

النساء يحثثن الرجال على الإستمتاع بالحياة والإستئناس لهنَّ والتحرش بهنَّ والإقلاع عن الزهد والتنسك ومعاقرة الأحزان .... أليس هذا ما نرى في عالم إناث الحيوان ؟

قرر الربع بعد المباريات الحامية الوطيس إرتياد أكبر بار للبيرة في مدينة ميونيخ .... إحتفالاً بنصر من إنتصر وإحتفاءً بالمناسبة ، مناسبة لقاء الأخوة الأصدقاء على الود والإخاء .
إحتسى المتنبي كمياتٍ كبيرة من البيرة البافارية الشهيرة حتى حذره الوائلي وطلب منه التوقف عن شرب المزيد . قال له : إنك في ألمانيا ولست في معسكر ( رفحاء ) .... إذ كنتَ تتناول ( دوزات ) البيرة مهربةً وتدفع عنها أي ثمن يقترحه المهربون من رجال الحرس السعودي . أغمض المتنبي عينيه ونام . ثم تلاشى أمام أنظار الجميع . ذُهلوا لكني طمأنتهم أنْ هذا دأب الرجل : يغيب عن الحضور بشكل فجائي ثم يرسل بالبريد الألكتروني رسالةً من كوكب ( مارس ) يشكر فيها حسن الضيافة ويعتذر عما سببه من إزعاجات .

__________________